مقال الاستاذ باسم صادق بجريدة الاهرام عن عرض “عاشقين ترابك”

«عاشقين ترابك».. شمس التنوير تشرق فى معسكرات الأمن المركزى

بعد سنوات طويلة على تلك الصورة الذهنية التى شكلتها فى عقولنا علامات سينمائية بارزة عن جندى الأمن المركزى مثل رائعة عاطف الطيب ووحيد حامد «البرىء»..

استطاع المخرج المسرحى الشاب محمد الشرقاوى أن يزرع بذرة تغيير هذه الصورة السلبية بمخاطبة عقول ووجدان جنود الأمن المركزى أنفسهم وخلق مساحة تنويرية وترفيهية لم يوفرها أحد لهم من قبل.. وذلك بتقديم عرضه «عاشقين ترابك» فى قلب معسكراتهم، وبمساعدة قيادات وزارة الداخلية الذين رحبوا بمبادرة فتوح أحمد رئيس البيت الفنى للمسرح بعمل بروتوكول يقضى بتقديم عروض البيت الفنى للمسرح فى معسكرات الأمن المركزى المنتشرة بالمحافظات..

البروتوكول بدأ بتقديم “عاشقين ترابك” لمدة أربع ليالى فى المنطقة المركزية، ولكن المخرج محمد الشرقاوى فاجأ قيادات الداخلية برغبته فى تقديم عرضه أولا فى معسكرات الصعيد وسيناء، وهو ما اعتبره الجميع مغامرة ولكنها وجدت ترحيبا لديهم، والأكثر من هذا أن المخرج وفريقه من الرجال طلبوا الإقامة فى قلب المعسكرات ومعايشة الجنود يوما بيوم تضامنا معهم فى واجبهم الوطنى، وهو ما حدث بالفعل.. وفى ساحات المعسكرات كانت الإشكالية إقامة منصات مسارح لتقديم العرض، وتجاوزها المخرج ومصمم الإضاءة عز حلمى باللجوء إلى قصور الثقافة فى كل محافظة واستخدام معداتهم وأجهزة البروجكتور والإضاءة الخاصة بها، لأن الهدف هو تقديم العرض كما تم تقديمه حرفيا بالقاهرة باعتباره حق الجنود كمتلقين للحالة المسرحية، وهو ما خلق حالة تعاون مبهرة بين صناع العرض والجنود والضباط ايضا، حتى أن بعض الضباط كانوا يجمعون أموالا من بعضهم البعض لاتمام إقامة المسرح واستكمال أى نواقص فى أسرع وقت لإمتاع الجنود الذين كان يصل عددهم إلى 5000 جندى كل ليلة يشاهد هذا العرض.

العرض الذى كتبه ياسر علام وتدور أحداثه فى خمسة مشاهد يتناول موضوعات عشناها جميعا منها تربية الفرد فى الجماعات المتطرفة والبحث عن إجابة لسؤال “ماذا لو نجحت الثورة؟” والفتنة الطائفية، ومشهد شهداء رفح من القوات المسلحة وأخيرا أحلام الشباب وتطلعاتهم، وهى كلها أفكار وجدت صدى طيبا لدى الجنود والضباط والقيادات أيضا فلم يواجه العرض أى نوع من أنواع الرقابة أو الضغط أو طلب حذف مشاهد بعينها، وهو ما يؤكد وعى قيادات وزارة الداخلية بأهمية الدور التثقيفى والتنويرى للمسرح، وعلى رأسهم العميد عماد الهوارى والمقدم أبوزيد أسامة من الوزارة والعميد أيمن سعد والمقدم أيمن عبدالمطلب من قيادة الأمن المركزى..

ثراء التجربة يكمن فى الحالة الإنسانية التى خلقتها خلال وبعد إقامة العروض، وهو ما قال عنه الشروقاوى: عرضنا فى معسكرات الأمن فى أسوان، والأقصر والبحر الأحمر وقنا وسوهاج وأسيوط، وتم فقط إلغاء عرض المنيا لإعلان حالة الحداد بعد مقتل عدد من الجنود فى أحد الحوادث، ولكن بعد انتهاء عروضنا كانت تقام حلقات نقاش واسعة مع هؤلاء الجنود وكان قياداتهم يتحدثون عن الدور الوطنى لشباب وزارة الثقافة، والأهم أننا اكتشفنا مواهب فنية بين المجندين تتنوع بين الغناء والقاء الشعر والزجل والعزف على الربابة، وكنا نناقشهم فيما فهموه من العرض، فكانت أيام ثقافية متكاملة بمعنى الكلمة حتى أننا فى معسكر أسيوط فاجأنا رائد يدعى ميخائيل بعد أن شاهدنا مواهب القطاع بأن كون ثمرة لفرقة فنية من أبناء القطاع..

ويضيف الشرقاوى: جنود الأمن المركزى بسطاء للغاية ومن أسر تنتمى لكفور ونجوع مصر، سمعنا حكاياتهم وتأثرنا بها، وعايشناها وكنا نشاركهم طوابير وتمارين الصباح يوميا وشاهدنا كيف يشاركهم الضباط أنفسهم تناول وجباتهم ويتعاملون معهم كأخوة، واكتشفنا أنهم كانوا يشاهدون المسرح لأول مرة، حتى أن أحدهم قال لنا: “انتم حسستونا اننا عايشين” وآخر قال: “كثير منا ينتهى تجنيده بعد أشهر قليلة، وقد عرفنا هنا يعنى ايه مسرح، وحينما ينتهى التجنيد سنبحث عنه لنشاهده دائما”.. وأكثر ما أسعدنا ما قاله اللواء عبدالمطلب دسوقى مساعد وزير الداخلية لقطاع جنوب الصعيد بعد مشاهدته للعرض: “إننا نطمئن الآن أن فيه شباب يناقش ملفات ساخنة بوعى شديد وهذا ما نحتاجه لمواجهة الإرهاب”، لذلك كانت فرصتى أن أطلب العرض فى أكثر المناطق سخونة فى سيناء وهو ما لقى ترحيبا كبيرا، خاصة وأننى قابلت جيلا جديدا من ضباط وزارة الداخلية لديهم قدرا كبيرا من الوعى والرغبة فى تغيير الصورة السلبية لبعض الضباط فى أذهان المواطنين، وهؤلاء هم الرهان الحقيقى فى الفترة القادمة.

ومن بين الجنود المجهولين فى هذا العرض عز حلمى مصمم الإضاءة الذى استخدم كل ما يمكن تخيله لعمل مصادر إضاءة تعطى مضامين درامية لمشاهد العرض المختلفة، بدءا من معدات قصور الثقافة المختلفة وحتى لمبات الإضاءة العادية المستخدمة فى البيوت، وقد فاجأنا بقوله: لم نكن نتخيل هذا القدر من الاهتمام من جانب قيادات الداخلية لاقامة العروض، فقد كانوا يواصلون الاتصال بنا لتجهيز ما نطلبه بكل دقة، وكانوا يستجيبون لأى طلب نطلبه لتوفير أى بديل لمعدة كهربائية غير متوفرة.

نجوم العرض الواعدين وائل مصطفى، أحمد الفقى، منة الفيومى، نوال العدل، هبة عصام، سيد شحاتة، أمير عز، محمد سمير، أحمد زكريا، يستحقون اشادة ودعم حقيقيين، فقد أدوا دورا لم يؤده كثير من نجوم هذا الوطن، وارتضوا بتوصيل رسالتهم لأكثر من 40 ألف مواطن مصرى بين مدنى وعسكرى، بعرض تكلفته متواضعة للغاية لم تتعد 30 ألف جنيه، حتى أنهم تنقلوا بين المحافظات على نفقتهم الخاصة، ولم ينتظروا حصولهم على مستحقاتهم المادية، بينما أكد المخرج أن هناك ثلاثة جنود فى وزارة الثقافة يقفون خلف هذه التجربة لتنفيذها ونجاحها وهم فتوح أحمد رئيس البيت الفنى للمسرح، والمخرج القدير خالد جلال رئيس قطاع الإنتاج الثقافى والذى يتواصل معنا دوما ويسهل لنا كافة الإجراءات، وأيضا د. أشرف ذكى الذى يسبقنا فى كل محافظة باتصالاته مع المحافظين لتسهيل مهمتنا.

وفى النهاية فإننا أمام تجربة ثرية للغاية ولم تنته، فبعد ما يقرب من شهر تنقل فيها أبطال العرض بين المعسكرات والمحافظات المختلفة، مازال أمامهم العرض فى المنطقة المركزية ثم سيناء ثم وجه بحرى ثم السويس، لذا أراها فرصة ذهبية لدعوة د. مصطفى سليم رئيس المركز القومى للمسرح لتوثيق هذه التجربة بالصوت والصورة لأننا أمام حالة فريدة تتحقق لأول مرة فى مصر تلعب فيها القوة الناعمة دورها لتحقيق أهداف حقيقية دون التلويح بشعارات رنانة، وذلك بإثراء عقول البسطاء من الجنود ومخاطبتها وتنويرها، لذلك فمن حقهم علينا أن نكتب أسماءهم فى تاريخ المسرح المصرى وأن نحفظ سيرتهم بين كبار نجوم المسرح، كما أتمنى أن تتحول هذه التجربة إلى قاعدة ثابتة فى وزارة الثقافة دون أن ترتبط بوجود أسماء بعينها وتختفى بتغييرهم.

asem

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.