مصر الجديدة .. محاولة للابداع خارج الصندوق

بقلم ا / طارق مرسي  – منشور بجريدة مسرحنا في العدد 329 بتاريخ 4 نوفمبر 2013

مصر الجديدة .. محاولة للابداع خارج الصندوق 

تياترو فيلم تلك التسمية التى اطلقها صناع العمل الفنى ( مصر الجديدة ) لتحديد الجنس الفنى الذى ينتمى اليه عملهم والذى يقدم على مسرح الغد .. ربما لان العمل قائم على إحداث مزيج بين مشاهد مصورة بالفيديو معدة للعرض على شاشات داخل قاعة المسرح وبين المشاهد المسرحية الحية المقدمة داخل القاعة ليكونا معا ذلك العمل الفنى .. اما الاسم المتعارف عليه لتلك النوعية من العروض فهو الملتيمديا وهى عروض انتشرت فى المسرح فى الخمسة وعشرون عاما الاخيرة الا ان بدايات تلك النوعية من العروض ترجع الى أوائل القرن العشرين أى بعد ظهور السينما بوقت قليل وكان من ابرز رواد هذا المجال هو ايروين بسكاتور و ايزنيشتاين .. وكثيرا ما شاهدناها فى مصر ولكن معظمها من العروض التى تتخذ المنهج التسجيلى .. أما فى هذا العمل فإن المشاهد المصورة هى داخل نسيج الدراما .. و( مصر الجديدة ) هى من تأليف واخراج إسماعيل مختار والذى يحاول طرح تصوره الشخصى عن مستقبل افضل انطلاقا من واقع يعج بالخلاف والشقاق وعدم وضوح الرؤيا وغموض الطريق ، فاختار ان يصبح نصر اكتوبر المحك الرئيسى فى العمل وشرارة البدأ التى تنطلق منها الاحداث .. فالشخصية الرئيسية محمد الحلوانى ( هشام عبد الله ) أحد ابطال اكتوبر و مصابيها ايضا لفقد ذراعه اثناءها و هو محب للوطن معترض على اتفاقية السلام يقرر ان يصنع بنفسه احلام وطنه من خلال مشروعه الخاص هذا المشروع يتلخص فى اختياره لمجموعه من المحكوم عليهم بالسجن فى قضايا لا تخل بالشرف وتنم عن نية طيبة لاصحابها لكنها امام القانون والمجتمع جرائم تستحق العقاب ، تلك المجموعه بالاتفاق مع اجهزة الدولة تقضى مدة عقابها فى معسكر اقامه اللواء الحلوانى بموافقات حكومية ليقوم بحل بعض مشكلات المجتمع مقابل اجر يستفيد به افراد المعسكر وينجح المشروع فيقرر رئيس الدولة زيارته نوعا من التشجيع والتحفيز الا ان اعداء النجاح دائما بالمرصاد فيقوم اللواء جبر ( معتز السويفى ) بمحاولة الاستحواذ على هذا المشروع وارباحه المادية لنفسه بل ويحاول اغلاقه عند رفض الحلوانى لمحاولة استيلائه على ارباح المشروع وتكون النهاية بعودة الحلوانى الى افراد المعسكر لمشاركتهم الاعداد لزيارة الرئيس بعد محاولة جبر عرقلتها .. ليخرج لنا العرض مفعم بتلك اللغه التى تحمل الكثير من مشاعر الحماسة وتنقل للمتلقى تلك الحالة الثورية التى نلحظها بوضح فى خطاب الشخصية الرئيسية الحلوانى وكذلك فى ملهمه داخل العمل عويس ( محمود الزيات ) وايضا فى كل المنولوجات الجماعية الخاصة بافراد المعسكر ليقع الخطاب المسرحى فى المباشرة فى كثير من مواضع العمل نتيجة لتلك الحالة الثورية الموجوده لدى المؤلف فخرجت منه مباشرة على لسان شخوصه المسرحية .. تبع ذلك بعض الاشكاليات الدرامية لنجد الحلوانى محارب وبطل وضحى بإحدى يديه فداءا لوطنه ولكنه على المستوى الشخصى هارب من حبه الوحيد حياة ( عبير عادل ) وتصبح هى الفاعل فى تلك العلاقة التى تظل معلقة حتى نهاية العمل فرغم قربها منه ومعاونتها لمشروعه تظل علاقتهم الشخصية مبتورة تماما كما ذراعة دون مبرر منطقى .. وتظل فكرة اقامة ذلك المعسكر داله على الرفض التام لكل الاوضاع خارجه وتكرس لفكرة هروب الحلوانى من حبه بعد اصابته وبحثه عن عويس أو جذوره الضاربه فى اعماق الصعيد ويستمر هروب الحلوانى امام المشكلات الكبرى حين يحاول جبر تشوية صورة افراد المعسكر ونجاحه فى ابعاد الحلوانى عن ادارة المعسكر لنرى انه لا يحاول المواجهه الى ان يطلبه جبر فتكون المواجهه اجبارية بل ان هروبه هذا يعلنه المؤلف صراحة داخل العمل عند مواجهة احد افراد المعسكر له وائل ( عصام مصطفى ) بأنهم لا فرق بينهم لان كل منهم يخشى مواجهة المجتمع ليتأكد لنا هذا الهروب .. حتى فى رجوعه للمعسكر فى النهاية يأتى فجأة دون اى مبرر لتكون النهاية فى شكل رسالة للمتلقى مباشرة .. لتكون الملامح العامة لتلك الشخصية الرئيسية تتسم بالتردد وعدم الحسم سواء على مستوى حياته الشخصية أو حياته العملية على عكس المفترض كونها شخصية تمثل رمز للشخصية المصرية الفاعلة ويضعنا نحن كمتلقين فى حيرة رسم صورة كامله لتلك الشخصية بتركيبتها المتناقضة.. البناء الدرامى للعمل يعتمد على خط اساسى وهو صراع ( الحلوانى – جبر ) ذلك الصراع الذى ياسس لفكر الكاتب وتصوره عن حالة سياسية ومجتمعية نعايشها جميعا لكن هذا الخط لم يدعم دراميا بشكل كافى وتداخلت عليه كثير من الاحداث الدرامية الفرعية التى اوقفت التصاعد الدرامى فى بعض الاحيان أو احدثت تشتيت ذهنى للمتلقى فى احيان اخرى فقد اغرى الكاتب استخدامه للفيديو وسهولة انتقال الحدث من مكان الى اخر الى اضافة كثير من الاحداث الفرعية التى كان يمكن اختذالها لصالح الخط الرئيسى فى العمل من تلك الاحداث على سبيل المثال مقدمة دخول حياة الى خشبة المسرح ومشهد البداية الذى اعطى بداية توحى بالدخول لعالم الحلم والمثل ثم نفاجئ ببقية الاحداث تغرقنا فى واقعية احدثت فاصل واضح بين البداية وبقية الاحداث .. النهاية تؤسس لفرض صيغة أو تصور أحادى على المتلقى لتحد من التصورات والاطروحات العديدة التى كانت من الممكن ان تتولد داخل كل متلقى ليرسم هو تصور للمستقبل ويرفض هذا القهر والتسلط والاستحواذ المفروض من طبقة اخذت كل المميزات فى الماضى وتريد ان تظل جاثمه على صدر هذا المجتمع فى المستقبل رغم ما دفعه من ثمن لتلك الثورة .. ورغم تلك التفاصيل الخاصة بالبناء الدرامى والشخصية الرئيسية الا ان العمل يحتوى على كثير من الاطروحات التى تفجر فى عقل المتلقى الكثير من القضايا الآنية التى تطلب من الجميع البحث عن حلول لها اذا اردنا لهذا الوطن مستقبلا افضل .. وهذا بلا شك من اهم الادوار المنوطه بالفن المسرحى .. سينوغرافيا العمل جاءت زاخرة بالتفاصيل والكتل التى احتلت جزء كبير من مساحة التمثيل داخل القاعة فقد كونت رامه فاروق ديكور العمل من كتله ضخمه فى مواجهة المتلقى قسمت الفراغ المسرحى الى قسمين مستوى علوى بارتفاع مترين ومستوى خشبة المسرح وعلى يمين المشاهد مستوى بارتفاع 40سم لمكتب اللواء الحلوانى بالاضافة الى مستوى اخرأقصى يمين المتفرج ولكنه متداخل مع كراسى المشاهدين يمثل بيت اللواء الحلوانى بالاضافه الى شاشة عرض متحركه صعود وهبوط وسط ساحة التمثيل وشاشتين ثابتتين يمين ويسار المشاهد واقصى يسار المتلقى وعلى ارتفاع يوجد قرص مصقول من اسفل ليشبه المرأة ولكنه يعطى صورة مشوشه هذا التكوين الضخم فى تلك المساحه الضيقة اثقل عين المتلقى بكثير من التفاصيل الامر الذى اضطر المخرج فى محاولة استغلال كافة المساحات الصغيرة التى صنعها هذا التكوين الضخم والتى كان من الممكن دمجها والعمل على اعطاء متعه بصرية اكبر للمتلقى فالمستوى الاعلى استغل قسمه الايسر لمكتب اللواء جبر وهذا منطقى دراميا ولكن الجانب الايمن ظل فارغا ليستخدمه فى مشاهد تخص افراد المعسكر التى اسس لها من بداية العرض فى المستوى الاسفل لتفجر كثير من التساؤلات حول مغزى اختياره لتلك المشاهد فى هذا المكان .. الملابس تم توظيفها بشكل تقليدى فافراد المعسكر ارتدوا زى موحد كونهم داخل مكان تابع للمؤسسه العقابية بشكل او باخر وباقى الشخصيات ارتدت الذى الذى يناسب وضعها الاجتماعى والمادى .. الاضاءة والتى صممها عز حلمى لعبت دورا فاعلا فى التنقل بين مشاهد الفديو والمشاهد الحية فى سلاسه وبلا اى افتعال كما اضافت للحظة المسرحية فى كثير من المشاهد كثير من الدلالات خاصة مشهد المجموعه فى مواجهتهم للجمهور وهذا التحديد بالاضاءة لرؤس المجموعه و الذى يتمتع بحرفية عاليه تناغمت مع مشاهد الفديو حيث اعطت اثر (الزوم ان) ودلالاته البصرية التى رسخت لكثير من المعانى بالاضافه للخطاب اللفظى ، الاضاءة ايضا احدثت ايقاعا بصريا فى تنقلها مع المشاهد الحية دون افتعال أو مفاجئة فى نبات القاعة .. محموعة الممثلين بلا استثناء قدموا اداءا راقيا اضاف كثيرا من المتعه الفنية للعمل سواء فى المشاهد الحية أو المصورة واذكر منهم طارق شرف بخبرته الفنية العريضة التى لخصها فى شخصية رمزى وخضر زيتون فى اداءة المقنع لشخصية عم حسنى واحمد عبد الهادى وذلك الاداء الذى يمكن ان نطلق عليه السهل الممتنع ..مع عدم اغفال لكل الاسماء الكبيرة التى ذكرتها فى ثنايا المقال والتى امتعتنا طوال العمل وساعدت المخرج على خلق ايقاع منضبط طوال العمل .. يبقى ان نوجه كل التحية لتلك التجربه الجادة الجريئة التى خاضها المخرج اسماعيل مختار سواء اتفقنا فى بعض وجهات النظر أو اختلفنا لجديتها فى المقام الاول وتفردها على الساحة الفنية فى تلك الظروف الاثتثنائية التى نعيشها ثانيا ورسالتها النبيلة الداعية للتحرك نحو ماهو افضل لمصرنا ثالثا .. هى محاوله صادقة للخروج من الصندوق على مستوى الفكر والتكنيك المستخدم .

كتابة : طارق مرسى

Comments

comments

Powered by Facebook Comments

Leave a Reply