عشق الهوانم .. عشق للوطن

 

بقلم الاستاذ : سعيد حجاج

فى الليلة الثانيه من ليالى العرض المسرحى ( عشق الهوانم ) بقدر ماكان الحضور الجماهيرى قليلا بقدر ماكان الدف الانسانى والفنى هو سيد الموقف ومغلفا مسرح الغد الذى يحتضن هذا العرض الجميل بنسائه الثلاث ( ناهد رشدى / فى دور حسن ) و(ريم احمد / فى دور ملك ) و( ساميه عاطف / فى دور الغجريه ) بالاضافه للمطربه الصاعده ( نهاد فتحى) التى امتلا بها المسرح شجنا .
عشق الهوانم الهوانم للكاتب والشاعر على ابوسالم والذى نشر من قبل باسم ( بنت ابليس ) ضمن سلسلة نصوص مسرحيه التى تصدر من الهيئه العامه لقصور الثقافه فى العدد (130)
ومن اخراج الفنان ( جلال عثمان )
واول مانراه فى هذا العرض المسرحى هو هذا التقديم البارع كمدخل لقراءته والذى ربما ساهم بقدر كبير فى فك شفرات هذا العرض ودلالات عناصره . فهاهى الام بزيها البهيج تشعل شمعات عيد ميلاد ابنتها ( ملك ) التى تتم عامها الحادى والعشرين . بينما ابنتها تتراقص كباليرينا خلف السلويت مبتهجة بعامها الجديد معبرة عن صفو روحها رغم وحدتها وامها فى هذا المنزل العتيق ذى التاريخ الممتد فى عمق التاريخ .. بينما المطربة الرقيقه تشاركهما الفرحة باغنية عيد الميلاد الآثرة كمدخل للعرض وفاتحة مؤثرة ايضا .. ومنذ دخول الام وهى تحدثنا نحن رفاق القاعة عن تاريخ هذا البيت العتيق( بيت الطيب ) الذى يتحلى ساكنوه بكرم ( الطائى ) وفروسية ( عنترة ) كبيت عربى اصيل .. وبعد لحظات من البهجه تتغير الاضاءة لتحيلنا الى حالة الفزع التى تنتاب الخارج بنباح الكلاب وصراخ الغجرية التى تستغيث بالبيت وبدفء ساكنيه من مطاردة قاسيه فتطرق الباب ولتدخل ملك فزعة . لكن الام تحاول زرع الطمانية بشجاعتها . رافعة بندقية الطيب العتيقة . لتفتح (ملك )الباب ولتدخل الغجرية بثيابها المهترئة وقلبها المضطرب الذى سرعان ماتهدأ وتتهلل فرحا حين تعرف انها انما صادفت هذا البيت ذى الاصل العريق والكريم فى آن . ولنتعرف عبر الحوار الثلاثى عليها كغجرية أنسيت من اهلها الذين تركوا خيامهم مستعدين ( لشتات جديد ) فصار ت قطعة من اللحم يطاردها الجميع لنهشها . مادامت وحيدة فى هذا العالم / وهو نفسه تصور اليهود لأنفسهم وسط العالم العربى مستدرين بذلك عطف العالم الاوروبى الذى مازال يشعر بأنه الام الرؤم ليهود العالم واحتضانهم رغم خطاياهم فى حق الانسانية .ولينتهى المشهد الاول والابنه تقدم لها ثوبها لتصير واحدة من الاسرة الصغيرة . وفى المشهد الثانى نرى الام والغجرية فى حوراية تعكس عدم اقتناع الام بما ساقته لها الغجرية والتى تعترف انها ( هربانه من المولد وغباوته / من العيون اللى بتنهش لحمى فين ماباروح / هربانه من الموت عشان نفسى اعيش ) وهى الاعترافات التى تتعاطف معها الام ولتصير صديقة للعائله ولتستقر بعض الوقت فى كنف الاسرة وتبدا فى ممارسة اعمالها التى مارستها طويلا فى الموالد وغيرها .. من قراءة الطالع والفنجان الذى تقدمه للام من البن الخاص بها وبه تعمل جاهدة على استعباد هذه الاسرة بعدما خلطته بالمخدر والذى يسهل به السيطرة الكامله على الاسرة والبيت والتى تعرف اسراره تماما وتبدأ فى الكشف عن وجهها القبيح ورغبتها للسيطرة واحتلال هذا البيت العتيق . بعدما زرعت الفتنة بين الام وابنتها بتحريك شهوتهما الراكده لهذا المنتظر والمخلص ولتخرج الغجرية فى النهاية بقناعها الحقيقى كلص محترف ومحتل دؤوب لا يتورع عن احتلال مايقابله من بلاد تمد اياديها بالسلام .. ولتسلب مفتاح الحجرة التى نهى الطيب عن فتحها قديما وبالحيلة والدهاء تحصل الغجرية على مفتاح الغرفه / الوطن الممتلىء بكنوز العائلة منذ الأزل . ولتغلق الأم الغرفة على الغجرية الصارخة ولا مجيب فى مقبرة الوطن الذى فتح لها يوما حضنه . وقد تعامل المخرج مع زخم هذا النص بكثير من الحنكة دون اى ادعاء ودون مبالغة فجعل العرض واقعا رمزيا شديد الرقى وكان من المشاهد المعبرة جدافى هذا العرض . هو ذلك المشهد الذى تتلاعب فيه الغجرية بالأم وإبنتها المدمنتين لبنها المخلوط بالمخد ر
كشخصيتين كرتونيتين مغلفا المشهد بموسيقى تقترب كثيرا من موسيقى حلقات ( توم وجيرى )
ولا نستطيع نسيان هذا التاثير الجيد للاضاء التى جاءت معبرة عن الجو العام للعرض ولم تكن مجرد حلية كما هى الاضاءة فى الكثير من العروض المسرحية والتى صممها ( عز حلمى )بحرفية شديده وبقدر مايحتاجه هذا العرض .. وبقدر ماكان الديكور معبرا عن العرض المسرحى بقدر مااحسنت مهندسة الديكور
(دينا زهير ) استغلا ل قاعة المسرح وليكون الجمهور جزءا حيويا وفاعلا فى اطار العرض المسرحى وليس مشاهدا من الخارج .. ربما ماعاب هذا العرض هو هذا المشهد الاخير والذى لم يكن بقدر جودة باقى ماسبق من مشاهد ففاجئنا المخرج والمؤلف ايضا بالأم وإبنتها متصالحين بعد نزاع بينهما عميق زرعته الغجرية بينهما طوال العرض ومنذ تسللها الى بيت الطيب .. وكذلك برئهما المفاجىء من اثر عبودية المخدر الذى سيطرت الغجرية به على كل مقدرات هذه الاسرة الطيبه .. فجاء هذا البرء مفاجئا دون تمهيد مقنع يليق بما سبقه من دراما متماسكة ولتلقى الام خطبة عصماء شابها الكثير من المباشرة والخطابيه ولعل الحوارالمعبر عن كل شخصية على حده هو مايغفر بعض الذلات الصغيرة فى عرض كبير كهذا .. ولعلنا لانستطيع نسيان ممثلات هذا العرض الراقى ومابذلنه
من جهد كبير .. فى سبيل اقناعنا بكل كلمة وبكل موقف درامى طوال العرض المسرحى والذى لم يفلت منهن احساس ما .. كما لم يفلت منا احساسنا برقى الحالة طوال العرض الذى لا نستطيع الا أن نشكر صانعيه على ماقدموه من عرض يحمل وجهات نظر مهمه ولها وجاهتها فى واقع مازال مسيطرا علينا بالتباسات عديده تعكس واقعا سياسيا اشد مانكون فى حاجة لو جود مثل هذا الزخم فى عرض ربما قصرت مدته ولم تقصر جودته بما رحب به من عناصر مسرحية متكاملة لا نستطيع نسيانها بعد ان نفارق هذا العرض ولنخرج مفكرين فى واقعنا من جوانبه المتعددة ..
فتحية لصانعى هذا العرض الكبار الذين لم يألوا جهد فى سبيل تقديم حالة مسرحية بقدر ماتحمل الكثير من الفكر تحمل ايضا الكثير من البهجة والمتعة والتأثير .

Comments

comments

Powered by Facebook Comments

Leave a Reply